وماذا بعد الانتحار ؟!

+ حجم الخط -
الإنتحار، مقالات، جورنال مصر،

بقلم : عمر أحمد عبد العزيز

 

تزايدت حالات الانتحار بين الفئات العمرية المُختلفة وخاصة الشباب في الفترة الأخيرة بشكل فج وملحوظ؛ حيث أصبح الانتحار هو الوسيلة السهلة للهروب من متاعب الدنيا وصراعتها الوهمية إلي المتاعب والمآسي الخالدة بدلا من التحمل، و الصبر والإستعانة بالله سبحانه وتعالى.


يمر الإنسان في حياته أيا كان مستواه الإجتماعي أو الثقافي  بالكثير من الأزمات والضغوطات النفسية الجسيمة التي تنحر قواه، وتقتل عزيمته وتجعله ييأس من الحياة لدرجة أنه يُفكر أحيانا في انهائها، ولكن يبقى السؤال الأهم، هل الانتحار هو الملاذ الآمن أو الخلاص الحقيقي من المتاعب والآلام للأبد، فلو كان هكذا لأنتحر أغلب سكان الأرض بالتأكيد، ولكن الأمر ليس بتلك السطحية أو الفوضوية، فهناك يوم عظيم قريب كان أو بعيد نُرد فيه جميعا  إلي الخالق ليُحاسبنا عن كل ما فعلناه في دنيانا حتى وإن كان مثقال ذرة، فيُدخل المؤمنين والصابرين الجنة التي وعدهم بها، ويُدخل الكافرين والعصاة والقانطين من رحمته النار التي حذرهم منها مرارا وتكرارا.


الانتحار ليس كفرا كما أوضح أغلب العلماء والفقهاء، لكنه من أبشع الكبائر و الجرائم الإنسانية التي نهانا عنها الله لما فيه من تحدي له جل علاه حتى وإن كان بطريقة غير مباشرة، فكيف لشخص إن يتجرأ ويقتل نفسه، وهي ملك للرحمن الذي استأمنه عليها لحين مجيء قضاءه، فيقول سبحانه وتعالى :{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}. [النساء]


{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. [البقرة]


الانتحار ليس هو الحل أو الراحة الأبدية للعبد كما يهيئ ويصور له الشيطان في لحظات الضعف والبعد عن الله سبحانه وتعالى، بل هو  بداية العذاب الحقيقي، فجحيم الدنيا لا يُذكر بالنسبة لجحيم وخزي الآخرة، فهنا لكل شيء حل وعلاج غير أنها فانية لا دوام لها على عكس جحيم الآخرة المُهلك والخالد حيث لا يوجد أبدا تحت الثري أو يوم الحساب أي إمكانية أو مجال للتوبة أو الرجوع للطريق المستقيم.


{لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ}. [الرعد]


{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}. [المؤمنون]


لم يخلق الله عباده كي يعيشون في رغد العيش، ويحققون من السعادة ما كفى، بل خلقهم ليعبدوه ويعمرون الأرض ويصلحوها ويتحملون كل صعوباتها وابتلاءاتها مُبغتين وجهه الكريم إلي إن يلقونه، ليدخلهم الجنة ويصب عليهم من النعيم صبا، حيث يقول في كتابة الكريم :

 {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}. [البقرة]


الأمر يحتاج منا إلي الرجوع والإقتراب أكثر من الله عز وجل وكتابه المبين والإقتداء برسوله الأمين "محمد" صل الله عليه وسلم والصالحين من بعده، إضافة للصبر ثم الصبر ثم الصبر، مع السعي والتريث لحل و تخطي الأزمات لكي لا يتمكن منا الشيطان الذي يُريد إن يغوينا ويُزعزع إيماننا ويُضلنا عن الطريق المستقيم لنصبح مثله من الأذلين يوم القيامة.


ذاك اليوم العظيم الذي لا هدى فيه ولا توبة ولا مفر من حكم وقضاء الله..

كتابة تعليق