كيف تؤئر الظروف الاقتصادية علي ارتفاع معدل الجريمة ؟

+ حجم الخط -
كيف تؤئر الظروف الاقتصادية علي ارتفاع معدل الجريمة ؟

بقلم - محمد سالم النصرابي


الكثير منا لا يعرف بالضبط وجه الارتباط بين الدهور الاسري وزيادة حالات الطلاق وايضا زيادة نسبة الجريمة بكل أنواعها ومدي ارتباطها بالظروف الاقتصادية.


وقال الباحثون ان ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية وغيرها من المواد ستؤدي إلى مشكلات اجتماعية وشخصية عديدة تصيب معظم أفراد الأسرة وتعمل على زعزعة الاستقرار النفسي والعاطفي لديهم واشاروا إلى أن سوء التغذية والمسكن السيئ يؤثر على سلامة الفرد من الناحية الفيزيقية والنفسية وقدرته على التكيف النفسي والاجتماعي. وقالوا في دراستهم عن تأثير التضخم الاقتصادي على الأسرة المصرية إن الغلاء أفرز العديد من المشاكل الاقتصادية التي أصبحت واضحة على جميع المواطنين  مثل زيادة معدل التضخم وارتفاع نسبة الإفلاس الشهري بين ذوي الدخل المحدود من المواطنين وزيادة لجوء الأفراد إلى الاقتراض من البنوك لسد الفجوة بين الدخل والنفقات.


كما طالت الآثار الجانب الاجتماعي في الدولة حيث أدت ارتفاع الأسعار إلى انتشار الظواهر السلبية مثل الكسب غير المشروع كالرشاوى والعمولات وغيرها بين بعض ضعاف النفوس من العاملين في الوظائف الحكومية والقطاع الخاص وزيادة الأمراض النفسية وارتفاع نسب الطلاق والعنوسة وتفشي ظاهرة التسرب المدرسي بين الطلبة. والقتل والسرقة .


فضلا عن تدني المستويات التعليمية للتلاميذ إضافة إلى انشغال الأسرة بحل المشكلات الاقتصادية المترتبة على هذه الزيادة مما يتسبب في إهمال تربية الأطفال تربية سليمة والانشغال عن همومهم خصوصاً في مرحلتي الطفولة والمراهقة، وهما مرحلتان حرجتان تتطلبان أن يوليهما الآباء مزيدا من الرعاية والاهتمام لما لهما من انعكاسات نفسية وتربوية تتضح نتائجها وتنعكس تأثيراتها مع مضي الوقت.


إن من الأهمية شعور الأسرة باستقرارها المادي وتحسين دخلها وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية تجاه أبنائها حتى لا تهتز قيمها الأخلاقية نتيجة لحرمانها من الضروريات المادية اللازمة لاستمرار حياتها اليومية.


إن ارتفاع الأسعار في كل مناحي الحياة أطاح بحلم تحسين الظروف المادية لدى العديد من الوافدين ( مثل السوريين وغيرهم )ووضعهم أمام خيارات صعبة إما العودة للوطن مع ما يحملونه من معاناة نفسية واجتماعية عليهم كأسرة أو محاولة التكيف مع الظروف الجديدة في الدولة التي باتت تتسم بالصعوبة.


تتنوع الآثار الاجتماعية للغلاء وتأثيره الممتد على المجتمع حيث ينعكس هذا الأمر على كل مناهج الحياة ويعمل على بروز العديد من الظواهر السلبية التي ستصيب كل أفراد الأسرة، فلو حللنا الواقع الاجتماعي للدولة لوجدنا كيف كان لزيادة أسعار المواد الاستهلاكية آثار اجتماعية ملحوظة تمثلت ببعض الممارسات السلبية التي انعكست على الأنماط السلوكية لأفراد المجتمع.


فالغلاء ترك بصماته وآثاره السلبية على الأسر وخاصة المقيمين فيها حيث تشتت أفكارهم وتشردهم خاصة عندما يضطر الأب لترحيل أسرته لبلدهم الأم من أجل توفير لقمة العيش في الدولة وهذا يؤدي إلى حرمانهم من أبسط حقوقهم وهي العيش في أمان واستقرار في ظل الوالدين كما أن علاقة الزوجين العاطفية تتأثر بتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فالأم غالبا ما تكون أشد فقرا من الأب وأقل منه استعدادا في الدفاع عن نفسها في سوق العمل، حيث أن معظم النساء هن ربات بيوت ولا يعملن».


وان العزوف عن الزواج وتكوين الأسر الجديدة بسبب عدم القدرة على تحمل المصاريف والتكاليف المعيشية يزيد من بروز بعض الظواهر الاجتماعية كالعنوسة والانحرافات الأخلاقية ومشاكل أخرى لا حد لها وسيجد الكثير من المواطنين وخاصة المقبلين على الزواج من الشباب أنفسهم عاجزين عن توفير مسكن ملائم لهم في ظل هذا الارتفاع الجنوني في أسعار مواد البناء كما يقلص من قدرة العديد من المواطنين على شراء المنازل والشقق السكنية.


وبين أن ارتفاع إيجارات المساكن في جميع مناطق الدولة فاقمة من أعباء المواطنين والمقيمين في تخصيص ثلث رواتبهم على الإيجار وحده لاسيما أولئك الذين ينتمون لمدن وقرى محدودة الدخل ويعملون في المدن الرئيسية حيث يجدون أنفسهم أنهم يدفعون ثمن ارتفاع الإيجارات من رواتبهم فضلاً عن دفعهم لنفقات أسرهم وذويهم في مناطقهم.


وارتفاع نسبة الطلاق بسبب عدم الاستقرار المادي للأسر وعدم مقدرة الأسر على الوفاء بالمتطلبات الأساسية للأبناء مما سيؤدي إلى حدوث مشاكل أسرية وعدم تمكن أرباب الأسر من تغطية الاحتياجات في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار.


ان ارتفاع الأسعار سيعمل على اتساع الفجوة بين الأغنياء ومحدودي الدخل من المواطنين، على الرغم من أن غالبية رجال الأعمال هم من المحبين للخير الذين أكرمهم الله بحسن الأخلاق وحب العدل والإحسان.


لكن التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها الدولة سيكون لها تأثير على بعض الناس والذين حين تتذكر تعاملهم في الماضي وتقارنه بما هم عليه الآن تلاحظ أنهم كانوا أكثر تواضعا وتقربا واحتراما للآخرين وعطفا على الفقراء والمحتاجين.


وأن المسافة بين الطبقات لم تكن ملحوظة ولكن مع موجة الغلاء وارتفاع كل المواد المتعلقة بمعيشة الإنسان سيجد البعض من الأفراد الميسورين تؤثر المادة على عقلياتهم والحرص على المحافظة على مكتسباتهم المالية نتيجة تزايد الدخل بسبب الطمع الجامح وعدم الحرص على التبرع والمساهمة لمد يد العون للآخرين وهذا بسبب الطفرة الكبيرة نتيجة التطور الذي شهدته التجارة الدولية وما صاحبها من نشوء وتوسيع السوق المالية العالمية.


و زيادة عدد الأسر المديونة بشكل كبير في الدولة بعدما كانت هذه الظاهرة قد أوشكت على الانتهاء في الفترة الأخيرة نتيجة مقاومة الدولة لاقتراض المواطنين وتسديد مديونات العديد منهم فقد أشارت المصادر الاقتصادية بتوسع ظاهرة القروض الشخصية.


ان خروج المرأة للعمل وانشغالها بتوفير المادة على حساب بيتها وأبنائها واحتياجات زوجها والاعتماد الكبير على الدادة او الحضانه كبديل لها في المنزل قد ينعكس على بناء الأسرة إن لم تستطع أن توفق بين العمل داخل الأسرة وخارجها.


وأما الانعكاس السلبي على المستوى النفسي ان حالة العجز المادي عند الفرد وعدم قدرته على تلبية احتياجات أسرته تؤدي إلى عدم التوافق النفسي والاجتماعي إضافة إلى أن كثيراً من المدينين يتصفون بحالات من الاضطرابات النفسية والشخصية فمثلاً يتسم كثير من العاجزين ماديا بعدم السعادة وعدم الرضا والشعور بالعجز وعدم الكفاءة مما يؤدي إلى اعتلال في الصحة النفسية لديهم، لذا فإن تأثير الغلاء وارتفاع الأسعار على اعتلال الحالة النفسية عند الفرد معلوم ومعروف .


اتجاهات ومشاعر

 سوء الأوضاع الاقتصادية لا يتأثر به الكبار فقط وإنما الأطفال كذلك، فالطفل الذي يجد نفسه بين أسرة فقيرة ويعيش الحرمان المادي قد يؤثر ذلك على اتجاهاته ومشاعره فينمو لدية الشعور بالحقد والكراهية ومشاعر النقص تجاه المجتمع مما يقد يساهم في خلق جو مناسب ومساعد على نمو الاتجاهات العدوانية والسلوك المنحرف ودخول الأبناء إلى سوق العمل وتركهم الدراسة من أجل الحصول على فرص العمل.


 تظهر الضغوط المادية والنفسية والاقتصادية على الأفراد والأسر بسبب النزعة الاستهلاكية وبالتالي فإن زيادة حجم الإنفاق الاستهلاكي مع عدم توفر المال الكافي يجعل الفرد لأن يلجأ للاستدانة من الأقارب والجيران وحتى المصارف والبنوك لسد احتياجاته وازدياد شريحة الفقراء ومحدودي الدخل في المجتمع وخاصة بين شريحة الوافدين والأجانب.


 وهذا يؤدي إلى أن تتفاقم مشكلات الفقراء وزيادة المديونية الشخصية ووقوع الشريحة الكبرى في وحل الفقر والعوز والحاجة وهذه الأوضاع المعيشية المتردية سوف تنعكس وبشكل خطير على الأوضاع الأمنية والاجتماعية وبالتالي على الأوضاع الاقتصادية والمناخات الاستثمارية.


 التأثيرات السلبية المترتبة أو التي سوف تترتب على ارتفاع الأسعار من شأنها أن تضعف حركة النمو الاقتصادي في الدولة أو على الأقل تسهم في بطئها وهي في حاجة إلى تدخل عاجل من الجهات المسؤولة في الدولة باعتبار أن الاستقرار الاجتماعي يمثل ضمانة لاقتصاد مزدهر واعتماد عجلة إنتاج سريعة الدوران تديرها الأيدي البشرية المؤهلة والقادرة على الابتكار والتطوير.


و تعد جريمة السرقة من أبرز الآثار السلبية لظاهرة الغلاء على اعتبار الغلاء ضمن العوامل الرئيسة المؤدية إلى انتشار ظاهرة السرقات التي يقدم عليها بعض المراهقين والشباب الذين يتوقون إلى إثبات أو تركيز أنفسهم في المجتمع.


وأن جريمة التسول نتيجة ظروف خارجية من البيئة العائلية أو الاجتماعية تظهر في فترات الضيق الاقتصادي ومن أبرز الآثار السلبية لظاهرة الغلاء فمعظم الدراسات التي أعدت في هذا الشأن أشارت إلى درجة عالية من الارتباط بين عدد القضايا وحالة الغلاء الاقتصادي في المنطقة.


ولهذا تحدث حالة العجز المادي خللاً في عملية التكيف النفسي – الاجتماعي للفرد مع مجتمعه، الأمر الذي يؤصل الشعور الدائم بالفشل والإخفاق مما يدفع إلى العزلة وعدم الانتماء للمجتمع، وبهذا يصبح الفرد عرضة للإصابة بحالة الاكتئاب، التي تؤدي بالفرد إلى اللجوء لممارسة سلوكيات غير سوية، كوسيلة للخروج أو الهروب من معاناة الواقع ومواجهته.


نتائج التأثير السلبي للغلاء على الصحة النفسية:

ينعكس التأثير السلبي للغلاء على الصحة النفسية للفرد بالتأثير على الصحة الجسمية أيضاً  إذ أن الحالة النفسية والعزلة التي يعانيها كثير من المعوزين عن توفير لقمة العيش أو توفير الاحتياجات الضرورية لأفراد أسرته تكون سبباً للإصابة بكثير من الأمراض وحالة الإعياء البدني.


ولعل من أهم مظاهر الإعياء الجسدي والبدني التي تصاحب العاطلين عن العمل، الإصابة بالتهاب المفاصل، ارتفاع ضغط الدم ارتفاع نسبة الكولسترول، التوتر الدائم، الانفعال والعصبية الزائدة الحدة العصبية في التعامل أمراض القلب أو الإصابة بالذبحة الصدرية إضافة إلى معاناة سوء التغذية أو اكتساب عادات تغذية سيئة وغير صحية.


وتجدر الإشارة إلى أن الوظائف التي تشبع الجانب المادي للفرد تؤدي دوراً أساسياً في الحفاظ على التوازن والاستقرار النفسي لديه  حيث ترتبط هذه الوظائف بحالة الاستقرار المادي والعجز عند الفرد لذا فإنه في حالة عدم قدرة الفرد على التكيف الاجتماعي فإنه يفتقد هذه الوظائف الأساسية على اعتبار أنه ليس هناك ما يدفعه أو يتطلب منه القيام بها الأمر الذي يؤدي به إلى الشعور بعدم الانتماء والعزلة مما يحد من توافقه وتفاعله مع المجتمع.

كتابة تعليق