موجة جرائم القتل والانتحار في يونيو المصري

+ حجم الخط -
جرائم القتل، جرائم الإنتحار، جورنال مصر، حوادث،

بقلم - صبري الموجي 

يَمم وجهك قِبل المشرقِ أو المغرب، اتجه شمالا أو جنوبا في ربوع مصر المحروسة، التي عُرفت علي مر الأزمان ببلد الأمن والأمان، فضمن الله الأمنَ والاستقرار لمن يدخلها، فقال سبحانه : ( ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين )، هذا وقتما كانت الفطرُ سوية، والأخلاقُ سامية، والأنفسُ قانعة بما رزق الله وإن كان قليلا.


أما اليوم فلم يعد يمر يومٌ، إلا ونسمع عن جريمة قتل تنوعت أدواتها بين طعنٍ بسكين، أو رميٍ برصاص، أو شنقٍ للضحية، أو إلقاء بها في النيل أو من شرفة منزل، فضلا عن حالات الانتحار، التي يُسارع أفرادُها بالتخلص من حياتهم، تاركين وراءهم كثيرا من علامات الاستفهام، التي تتساءل عن سبب انتشار الجريمة في مصر، والتي جرت بسببها شلالات الدم، وتملك الناس الفزع، بعدما احتلت مصر المركز الثالث عربيا، والرابع والعشرين عالميا في معدل جرائم القتل ، حسب تقرير نامبيو العالمي .


حالاتُ قتل كثيرة، تُثير علامات الدهشة والفزع، وتنخلع بسببها القلوبُ، ورغم انتشار تلك الجرائم في ربوع مصر قاطبة ، إلا أن مدينة المنصورة (بلد العلم والجمال) حققت الرقم القياسي في معدل تلك الجرائم، التي صار الدمُ فيها رخيصا، وحياة الأفراد لا قيمة لها، وصدق مع كثرة تلك الجرائم حديثُ نبينا الذي رواه مسلمٌ عن أبي هريرة : ( والَّذي نَفْسِي بيَدِهِ، لا تَذْهَبُ الدُّنْيا حتَّى يَأْتِيَ علَى النَّاسِ يَوْمٌ لا يَدْرِي القاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، ولا المَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ. فقِيلَ: كيفَ يَكونُ ذلكَ؟ قالَ: الهَرْجُ، القاتِلُ والْمَقْتُولُ في النَّارِ).


وبالرجوع لتلك الحالات التي انتشرت في مصر انتشارَ النار في الهشيم، نجد أن وراءها أسبابا تافهة، وحقا (معظمُ النار من مستصغر الشرر)، مثل شك رجل في سلوك زوجته دون وصوله لدرجة اليقين، ورغما عن هذا يُقدم علي ذبحها بسكين باردة أو حادة؛ ثأرا لشرفه المراق بزعمه، ولكنه في الحقيقة، ينساق لخياله المريض ونفسه الآثمة، التي لم تفكر في التثبت، بل هرعت للقتل مباشرة باعتباره الحل الأسهل .


كثير من هذه الجرائم البشعة  - يا سادة - كان سببه خلافٌ بسيط بين صديق وصديقه، استحوذ علي أحدهما شيطانُه فوجه إليه طعنة قاتلة، أو ذبحه كما لو كان شاة علي مرأي ومسمع من الناس، وهذا ما سمعنا عنه من جرائم في الإسماعيلية، والشرقية، والمنوفية، والدقهلية التي احتلت الصدارة في تلك الجرائم، فانعدمت الثقة بين الأفراد، وملأ الشك دهاليز حياتهم، وحولت تلك الجرائم البشعة كثيرا من الأشخاص من أناس طبيعيين إلي مجرمين مع سبق الإصرار والترصد مثلما جري مع قاتل طالبة المنصورة نيرة أشرف .


لم يقتصر ارتكابُ هذه الجرائم علي الأصدقاء سواء من جنس واحد أو من الجنسين، بل امتدت خيوط الجريمة داخل الأسر، فنزعت الرحمةُ من قلوب آباء وأمهات قتلوا أبناءهم، ومن قلوب أبناء قتلوا آباءهم، فهذا أبٌ يقتل ابنته لشكه في سلوكها، وزوجٌ يقتل زوجته لمجرد أنه شك في أنها علي علاقة مع شخص آخر، وامرأة تتخلص من زوجها، ليخلو لها الجو مع عشيقها، وغيرها العديد من الجرائم، التي فاحت رائحتها النتنة، فأزكمت الأنوف،  وكشفت عما وصل إليه المجتمع المصري من انحطاط وانحدار أخلاقي وقيمي، وغياب لمعاني (المروءة والنخوة والشهامة)، بل وصل الأمر إلي عدم الاكتراث بنصوص حرمة الدم مثل: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم)، وغيره.


ومع كثرة هذه الجرائم، لابد أن نفتش عن السبب، والذي أرجعه كثيرٌ من علماء الاجتماع إلي تآكل منظومة القيم، وعدم المبالاة الأخلاقية، وإهمال ترقية السلوكيات والأخلاق بالمؤسسات التعليمية، فضلا عن سوء الأحوال الاقتصادية، والتي ارتفعت معها معدلات الجريمة والعنف، إضافة إلي غياب العدالة الاجتماعية، وتفشي أخلاقيات الزحام والفوضي، والتي صارت البلاد في ظلها .. مولد وصاحبه غائب !

كتابة تعليق