مصر تحسم حرب الغاز .. عودة الخط العربي

+ حجم الخط -

 

مصر تحسم حرب الغاز .. عودة الخط العربي

بقلم : يوحنا عزمي
بينما المصريين يتابعون في فخر خبر الاجتماع الرباعي بين مصر وسوريا ولبنان والأردن من اجل إيصال الغاز المصري إلى لبنان عبر سوريا ويتم الإعلان عن استئناف العمل بخط الغاز العربي ، كان التاريخ يسدل الستار على آخر مؤامرات ملف الغاز في سنوات الربيع العربي.
أواخر القرن العشرين بدأت فكرة "الخط العربي"، وتحديداً امداد سوريا ولبنان والأردن بالغاز المصري ، ولاحقاً يتم إيصال الغاز المصري إلى تركيا عبر الحدود المشتركة مع سوريا ، ثم تصبح تركيا هي بوابة تصدير الغاز المصري إلى أوروبا.
جرى ذلك في زمن ما قبل اكتشافات غاز المتوسط ، وكان يفترض ايضاً ان يضم الخط العربي خط آخر ، يخرج من العراق ليلتحم بالخط المصري ذاهباً إلى تركيا عبر سوريا ، وكان هنالك خط فرعي اخر حيث ينطلق الخط العربي من تركيا إلى رومانيا.
وقعت تلك الاتفاقيات ما بين عامي 2003 و2008، وفى عام 2003 افتتح الرئيس الراحل محمد حسني مبارك والعاهل الأردني عبد الله الثاني بن الحسين أولى مراحل الخط العربي ، حيث بدأ تصدير الغاز المصري إلى الأردن وسط زلزال هادر يضرب مشاريع وامدادات خطوط الغاز في العالم.

لم يصمت الغرب او إسرائيل ، وايضاً إيران وقطر ، وكانت الدوحة وطهران يرغبان في مد الغاز القطري إلى سوريا ولبنان ولاحقاً أوروبا بدلاً من مصر ، وكانت إيران ترغب في المشاركة في الخط القطري بما لديها من منتج متواضع في قطاع الغاز.
اخرست مصر جارتها إسرائيل عبر تصدير الغاز لتل ابيب ، ولكن أعداء الدولة المصرية والخط العربي سارعوا إلى اكثر من تحرك منها تمكين الإسلاميين في انقرة عام 2003، نفس عام بدء عمل الخط العربي بين مصر والأردن ، او قيام إيران بتعكير العلاقات المصرية السورية بشكل دائم وتشجيع حكومة ولاية سوريا الفارسية على التطاول ، حتى وقف الرئيس السوري بشار الأسد عقب حرب لبنان 2006 يتباهى بعمل عسكري لم يشارك فيه وشاهده مثل اى مواطن عربي عادي عبر التلفاز ، واثناء التباهي تطاول الأسد الابن على كافة الحكام العرب بمقولة "عبد المأمور".
ومع ذلك ، وصل الغاز المصري إلى سوريا عام 2008، وتوقفت المباحثات بين فرقاء الخط العربي وتركيا عام 2010 على ضوء تمايع حكومة العثمانيين الجدد في انقرة.
وللمفارقة ، فأن محافظة درعا التي تشهد انطلاق الغاز المصري
من الأردن إلى سوريا ، هي ذاتها مهد التمرد او ما يسمى بالثورة السورية، وللمفارقة فأن خط الغاز العربي من مصر إلى الأردن شهد 12 عملية إرهابية ما بين عامي 2011 و2013 تحت مسمى أنه هذا هو خط الغاز المصري إلى إسرائيل ، وللمفارقة ايضاً فأن اغلب التخريب الذى فعله نفس الإرهابيين بخط الغاز المصري إلى إسرائيل كان يسهل إصلاحه عكس التخريب الموسع لخط الغاز العربي.

وبحلول أوائل العام 2012 توقف تصدير الغاز المصري إلى سوريا واصبح الخط العربي ما بين مصر والأردن فحسب ، بينما راح مشروع الانبوب القطري يصدح في كل منبر ، من اجل عبور الغاز القطري من الدوحة إلى السعودية ثم سوريا ولاحقاً الى المتوسط
او حتى تركيا ، وهكذا يصل الغاز القطري إلى مياه المتوسط الدافئة بديلاً عن الغاز المصري.
وراحت اكتشافات الغاز تصدح عن نفسها، وتم تكليف رجب طيب اردوغان بسرقة وتدمير ونهب اكبر قدر ممكن من الغاز والنفط السوري وفى شرق المتوسط لاحقاً – ان امكن – وليبيا تالياً وان كانت قطر قد سيطرت على الهلال النفطي الليبي لسنوات واستطاعت إدارة لعبة استنزاف الموارد الليبية ببخس الثمن لصالح دوائر العولمة النيوليبرالية الرأسمالية التي صنعت الإسلام السياسي كجماعة وظيفية من اجل ان يقوم بالأدوار التي قام بها تنظيم الحمدين في قطر وتنظيم العثمانيين الجدد في تركيا من تنفيذ صارم للأجندات الغربية ضد الشرق الأوسط.
ومع قيام ثورة 30 يونيو المصرية، وعودة نموذج الدولة الوطنية في حلة مصرية جديدة وعصرية ، ثم حسم مصر للصراعات الإقليمية واحدة تلو الأخرى حتى أصبحت مصر هي الدولة الأقوى في المشرق ، ومع تغير المعطيات عاماً بعد عام ، من تحرير الهلال النفطي الليبي من هيمنة الجماعات الإسلامية الإرهابية الموالية لقطر ، وسقوط مشروع خط الغاز من الدوحة الى المتوسط ، وفشل وتآكل مشروع اردوغان الإقليمي ، واخيراً تآكل مشروع إيران الإقليمي وبدء تحليل وتفكيك دولة لبنان.
هنا تدخلت مصر باقتراح استئناف الخط العربي من اجل إنقاذ لبنان ولكن في ثنايا التحرك الأخير هنالك انتصار للدولة الوطنية السورية، وسحب الدولتين، سوريا ولبنان، من حظائر الفرس ومن فكرة التحول إلى ولايات فارسية، إلى فكرة امتلاك السيادة الوطنية مرة اخري ، إذ لبنان سوف يحصل على الغاز ما يحرره من مافيا بيع المازوت الذى يرأسها حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله ..
اما سوريا فأن الغاز المصري سوف يعود ليتدفق مرة أخرى إلى أراضيها، وسوف يكون هذا التدفق بل وهذا التعامل العربي السوري والمصري السوري هو بوابة خروج سوريا من سلسلة عقوبات دولية استهدفت وضعها في الحالة العراقية التي شهدتها بغداد ما بين حرب تحرير الكويت والغزو الأمريكي عام 2003.
من المتوقع ان يعود الغاز المصري إلى سوريا ولبنان في أسابيع وليس اشهر ، كما صرحت مصادر سورية ، ولكن كان هنالك عائق خطير امام الخط العربي ، يتمثل في سيطرة عصابات ما يسمى بالمعارضة الثورية السورية على مناطق في محافظة درعا تتضمن منشآت الخط العربي وهى سليمة ولكن خارج سيطرة النظام السوري.
وفى نبأ عاجل لم يلتفت إليه مصري واحد او يربطه بملف الغاز المصري والخط العربي ، فجأة تمتلك القوات السورية الجسارة بأن تقتحم ما يسمى بــ "مهد الاحتجاجات السورية" او "مهد الثورة السورية" ويتم السيطرة على اغلب المناطق المتمردة وعلى رأسها المناطق الخاصة بـ الخط العربي.
التحرك السوري ، والانهيار الذى جرى للعصابات المسلحة ، لا يعني إلا شيء واحد ، ان هنالك اذعان دولي للفكرة المصرية ، من اجل تخليص سوريا الفارسية ولبنان الفارسي من الهيمنة الإيرانية اذعان مماثل للاذعان الغربي لجهود مصر لتحرير القضية الفلسطينية عموماً وقطاع غزة خصوصاً من عصابات الإسلام السياسي واسترداد القضية الفلسطينية مرة أخرى وإعادة الوطنية إلى سوريا ولبنان مرة أخرى بعد سنوات من الأسلمة الإرهابية والذهاب بـدمشق وبيروت والقدس إلى أحضان مشاريع إقليمية ساذجة تخدم خزائن حكام قطر وتركيا وايران.
ختاماً .. صدعنا مدعي العروبة والاسلمة سنوات تلو السنوات عن الوحدة العربية والإسلامية، ولم تكن سنوات حكم القومية العربية او الإسلام السياسي في المشرق إلا سنوات الحرب الأهلية الإقليمية او داخل الأهلية ، بينما سنوات صعود القومية المصرية والقومية الوطنية والدولة الوطنية هي سنوات التكامل الاقتصادي والتجاري الحقيقي بين دول الأهلية ، تماماً كما فعلت مصر مع حضارات العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين عبر تاريخها قبل ظهور أفكار القومية العربية والإسلام السياسي، لتعود المنطقة إلي أفكار الشرق المصري والمشرق المصري بعد مئات السنين من محاولة تعريب او اسلمة المشرق.



كتابة تعليق