الإفساد والتمادي في المعاصي

+ حجم الخط -

 

الإفساد والتمادي في المعاصي

بقلم / محمـــد الدكـــروري


إن الإسراف ومجاوزة الحد في الغي والتمادي في المعاصي إفساد، فقال الله تبارك وتعالى على لسان نبيه موسى عليه الصلاة والسلام " كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا فى الأرض مفسدين " وإن إيقاد نيران الحروب بين عباد الله إفساد، فقال الله تبارك وتعالى " كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون فى الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين " وكذلك فإن السحر إفساد، فقال الله تبارك وتعالى " قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين " وكذلك فإن الجبروت والتكبر على عباد الله إفساد، والإفراط في الفرح والأشر والبطر، وكذلك ارتكاب المنكرات وإتيان ما حرم الله من الفواحش، وكذلك فإن السرقة إفساد، فقد قال الله عز وجل عن أخوة يوسف " قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد فى الأرض وما كنا سارقين " ويقول المولى عز وجل في كتابه الكريم. 


كما جاء فى سورة الروم " ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذى عملوا لعلهم يرجعون " وهذه الآية العظيمة، وغيرها مما يقارب خمسين آية في كتاب الله تعالى كلها تحذر من الفساد بجميع صوره وأشكاله وأنواعه، وتمثل هذه الآيات بالإضافة إلى الأحاديث النبوية الصحيحة التي وردت في الصحاح والسنن والمسانيد التي تحذر الأمة من الفساد في الأرض ومن الإفساد، وأن يكون المؤمن صالحا مصلحا بعيدا عن جميع صور الفساد، حتى لا ينزل به العذاب، وحتى لا تنزل بالأمة الكارثة والمصائب والنكبات والابتلاءات بصور مختلفة بسبب تصرفات بعض الأشخاص، وإن الفساد بجميع صوره، كل ذلك حذر منه الإسلام، وحذر منه النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، صراحة، وحث الأمة على محاربته بجميع صوره، وإن الفساد الذي هو استغلال الوظائف العامة للمصالح الخاصة. 


والفساد الذي هو ضياع الحقوق والمصالح، وهى مصالح العباد بسبب مخالفة ما أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، والفساد الذي هو عدم القيام بالأمانة واستشراء الخيانة بين أفراد المجتمع، والفساد الذي هو الغش بجميع صوره وأشكاله، هذه الصور التي رسم المولى عز وجل، لنا في الكتاب الكريم خبر أقوام أفسدوا في الأرض فنزل بهم البلاء، وإذ يحذرنا المولى عز وجل من أن نسلك مسلكهم، أو أن نسير على الطرق التي ساروا عليها، فإنه ليس بين الله وبين أحد من خلقه حسب أو نسب، فسنن الله لا تحابي أحدا، فينبغي أن نعلم هذه المسألة، أن سنن الله لا تحابي أحدا، وأن الأمة إذا حادت عن الطريق المستقيم نزل بها البلاء، ولقد حذرنا الله تعالى من خبر أقوام أفسدوا في الأرض بتطفيف الميزان والمكيال وبالفساد، فذكر المولى سبحانه وتعالى قصة قوم شعيب في أكثر من موضع في كتابه الكريم.


وحذرنا الله تعالى من قصة قارون الذي فسد، وتعالى وتجبر ومنع الزكاة والصدقات، وبيّن لنا المولى عز وجل، خبر أقوام حادوا عن الطريق المستقيم حتى لا نسلك مسلكهم، ومن صور الفساد من باب التمثيل لا الحصر، الذي ابتليت به الأمة في الأموال، السرقة، والاختلاس، والرشوة، والتربح بالوظيفة، والخيانة للمسؤوليات، وفي العمل الإهمال، والتقصير، وعدم الإتقان، والمحسوبية، وبخس العامل حقه، وعدم أداء الأجير أجرته، والإسراف والتبذير والبذخ الذي تجاوز حدود الزمان والمكان، وفي جانب التداول والتجارة الغش، والتدليس، والمماطلة، واحتكار السلع، وغير ذلك من صور كثيرة من الفساد التي لا تخفى على أصحاب العقول، ولا تخفى عليكم، فأصبحت واضحة للعيان، ولقد أصبح الإنسان لا يجد السلعة الصحيحة، ولا يجد البضاعة الأصلية بسبب الفساد، وبسبب قلة الأمانة. 


وبسبب عدم الخوف من الله سبحانه وتعالى، وبسبب عدم مراقبته، ويحذرنا النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم من هذا الفساد في حديث رواه ابن ماجة في سننه فيقول النبي صلى الله عليه وسلم "يا معشر المهاجرين، خصال خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم من غيرهم فأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل ويتحروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم"

كتابة تعليق