«الطاعة» فضيلة أم رذيلة؟

+ حجم الخط -
«الطاعة» فضيلة أم رذيلة؟,الدكتور حسين علي,أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بآداب عين شمس,جورنال مصر,مقالات

بقلم الدكتور - حسين علي
أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بآداب عين شمس

درج الناس في الأقطار العربية والإسلامية على النظر إلى «الطاعة» بوصفها فضيلة كبرى، نحن نربى أولادنا على «الطاعة»، ونمدح من ينصاع لأوامرنا أو يعمل بنصائحنا من الأولاد والبنات، فنقول:
- هذا ولد مهذب، ومؤدب، ومحترم، وجميل يسمع الكلام ...

هناك جملة محذوفة من العبارة السابقة ، يمكن فهمها ضمنًا، فالعبارة في صورتها الأصلية الكاملة هى:
- هذا ولد مهذب، ومؤدب، ومحترم، وجميل .. يسمع الكلام، وينصاع لنا دون اعتراض.

هكذا نربي أبناءنا على الطاعة العمياء ونستحسنها منهم ونشجعهم عليها بوصفها ميزة عظيمة. إننا نربيهم بطريقة مخطئة! نحن أيضًا تمت تربيتنا على نحو سيء!. آباؤنا وأمهاتنا تربوا هم أيضًا على الخضوع والخنوع داخل الأسرة والمدرسة، وتحت لافتة كبيرة براقة اسمها «الطاعة»، فى حين أنها فى حقيقتها «قهر» و«خضوع» و«خنوع». جيل وراء جيل عبر مئات السنين ترسخ «مبدأ الطاعة» فى عقل الناس ووجدانهم، وصارت «الطاعة» قيمة سائدة فى مجتمعنا، حتى باتت سمة من سماتنا، وجزءًا من بنائنا العقلى والوجدانى، نتقبل الأفكار دون فحص أو نقد، نسلم بكل ما قال به السابقون تسليمًا أعمى بوصفه قولًا مقدسًا، فتخلفنا وفقدنا القدرة على الإبداع، وأصبح فى وسع أى حاكم أو مدير أو رئيس فى العمل أن يقود الناس بيسر وسلاسة، وكأنهم مجموعة من الأنعام. حتى أن كثيرًا من الباحثين والمفكرين الغربيين يقف دَهِشًا متحيرًا أمام ظاهرة خضوع شعوب الشرق وخنوعهم لحكامهم، مهما زادت درجة استبداد هؤلاء الحكام.

صارت بيوتنا ومدارسنا ومساجدنا وكنائسنا وجامعاتنا - على مدار أجيال وأجيال - «معامل تفريخ» لمواطنين خانعين وخاضعين للانصياع لأي حاكم مستبد، مهما كان فقر إمكاناته، وضآلة شأنه. إن الحاكم عندنا لا يشقى ولا يعاني، لأننا وفرنا له مواطنًا سهل الانقياد، بفضل نظرتنا إلى الطاعة بوصفها فضيلة.

منذ المراحل الأولى من عمر الطفل تعمل الأسرة العربية بوجه عام، والأسرة المصرية بوجه خاص على ترسيخ مبدأ طاعة الأبناء للآباء، دون الانتباه إلى الآثار السيئة المترتبة على سيادة هذا المبدأ؛ لأن المرء حين يُجْبَر على الطاعة يفقد ذاتيته، وتنمحى فرديته وتطمس شخصيته، ويصبح من السهل انقياده لغيره، فالأم التي تنصح ابنتها بنصائح معينة، هى على ثقة من أنها تنصحها بما فيه خير لابنتها، فإذا استجابت الابنة وأطاعت، فإن هذه الطاعة سوف تجلب لها الخير. وتواصل الأم النصح والإرشاد سعيدة ومسرورة باستجابة ابنتها لها، غافلة عن أن ابنتها هذه التي لا ترفض أمرًا، ولا تناقش رأيًا، إذا ما ذهبت إلى الجامعة أو انخرطت في عمل، سوف تلتقي بزميل لها في الجامعة، وتتعامل مع زميلها أو رئيسها في العمل، فهل بالضرورة سوف ينصحها هذا الزميل أو ذاك بما فيه خير لها؟

إنها قد اعتادت على الطاعة، ومن المرجح أنها سوف تستجيب لمن ينصحها أو يأمرها، بخاصٍة إذا ارتدى مسوح التقوى والورع، وشنف آذانها بمعسول الكلام، مخفيًا مطامعه الشخصية، ونواياه الخبيثة، معلنًا بالخداع والغش أن كل مبتغاه مصلحتها.

كم من المرات خُدِعنا في حياتنا بسبب انصياعنا واستجابتنا لنصائح من لا ضمير لهم، صدقناهم وكذبنا حواسنا، ووثقنا بهم وتشككنا في عقولنا، وسرنا وراءهم مغمضي الأعين، ثم ندمنا على ما فعلنا حين لا ينفع الندم. بيوتنا ومدارسنا ومساجدنا وكنائسنا تدعونا إلى الطاعة، وتحثنا عليها بوصفها فضيلة تقربنا إلى الله، حتى الأمثلة الشعبية تحبب الطاعة إلى نفوسنا وتقربها إلى قلوبنا وعقولنا، فهناك مثل يقول: «من علمني حرفًا صرت له عبدًا»، نردد هذا المثل وغيره بفخر واعتزاز، وكأنه الحكمة الخالصة التي ترشدنا إلى طريق الهدى والصواب، في حين أنه يكرس مفهوم الخضوع والخنوع والعبودية. المثل يطالبنا بأن نقف موقف السمع والطاعة من المعلم، وكأن ما يلقنا إياه من معارف وعلوم هو وحي من السماء، حتى أن هناك مثلاً آخر يقول: «كاد المعلم أن يكون رسولاً». إن هذه الأمثال والأقوال هى جرثومة تفسد العملية التعليمية برمتها؛ لأن التعليم الراقي لابد أن يعتمد على الحوار والمناقشة والنقد، وليس على التلقين والإملاء.

الطاعة هى جوهر تعليمنا ومصيبته الكبرى في الآن نفسه، فالأستاذ يلقي الدرس أو المحاضرة، يقف وحده متحدثًا، دون حوار أو نقاش أو نقد واعتراض. الأستاذ الأوحد هو أقرب ما يكون إلى الزعيم الأوحد، ما يقوله هو الحق بعينه، لا يسمَح لأحد أن يناقشه أو يراجعه أو يعترض، فكيف نتخيل أن أحدًا يخطأه!!. وكذلك الأب والأم في البيت لا ينتظرون من أولادهم سوى الطاعة.

أكاد أسمع قارئًا كريمًا يحتج على ما يسطره قلمي، قائلاً بحسرة:
- أين طاعة الأبناء هذه التي تتحدث عنها؟! هذا جيل متمرد .. المشكلة ليست في وجود الطاعة، بل في رفض الطاعة والتمرد على كل شيء.

إن هذا الاحتجاج يؤكد ما نقوله ولا ينفيه؛ لأنه يكشف عن غياب الطاعة التي يطوقون إلي رؤيتها في سلوك أبنائهم، أي أنهم يتمنون خضوع الأبناء لهم، لأن تربيتهم بوصفهم آباء حين كانوا أطفالاً تمت على هذا النحو من الخضوع والخنوع، هم حَزَانَى لغياب الطاعة.

ويصف الدكتور فؤاد زكريا «الطاعة بأنها «مرض»، ويؤكد فى مقال له بعنوان «مرض عربى اسمه الطاعة» نشره فى مجلة العربى العدد ٣٣٢ - يوليو ١٩٨٦:

«إن التمرد هو قيمة أيضًا ... إن أعظم إنجازات الإنسان لم تتحقق إلا على أيدى أولئك الذين رفضوا أن يكونوا «مطيعين»، فالمصلحون الذين غيروا مجرى التاريخ لم يطيعوا ما تمليه عليهم أوضاع مجتمعاتهم، وأصحاب الكشوف العلمية الكبرى لم يطيعوا الآراء السائدة عن العلم فى عصورهم، والفنانون العظام لم يطيعوا القواعد التقليدية التى كان يسير عليها أسلافهم، وهكذا فإن كل شىء عظيم أنجزته البشرية كان مقترنًا بقدر من التمرد، ومن الخروج على مبدأ الطاعة».