المـوت الأعظـم

+ حجم الخط -
 إكرام علي أدم

كتبت - إكرام علي أدم

المنازل خاوية، والمدن مهجورة، والبلد مُهمَل. الحقول ضيقة جدًّا على الموتى، وعزلة مخيفة وكلية شملت الأرض كلها. ما أسعد أناس المستقبل الذين لم يشهدوا هذه المأساويات، بل وربما يدرجون شهادتنا مع الأساطير» - الشاعر «فرانشيسكو بتراركا»،
عن هجمة الموت الأسود لعام 1348م.


مات ثلاثة ملايين شخص في أوروبا، وملايين لا تُعد ولا تحصى في آسيا، بسبب هجمات الموت الأسود في العصور الوسطى. ماذا كان مصدر وحشية هذا المرض الفتاك؟ وهل يتوجب علينا أن نخافه اليوم، ونحن في أزهى عصور الطب والنظافة؟
في أزهى عصور الطب والنظافة ونخاف جائحة كورونا.

كان شاعر القرون الوسطى الإيطالي 


فرانشيسكو بتراركا، ذا بصيرة. يصعب علينا أن نتخيل الواقع في هذه الفترة، لتصوُّر كيف كان الموت الأسود حقًّا. عليك أن تتخيل أن ثُلث الأشخاص الذين تعرفهم، أو ثُلث البشر الذين تراهم يسيرون حولك في الشارع، قد اختفوا فجأةً. لا يُمكن تصور شكل العالم الذي فقد ثُلث سكانه في غضون ست سنوات، لكنه حدث مرة واحدة فقط في التاريخ.

خلال هجمة الطاعون في هذه الفترة، لم يكن هناك مكان كافٍ لدفن جميع الجثث، كان الناس يُترَكون في الشارع، أو ينهارون على الرصيف، محاولين التنفس حتى يموتوا. كنت ستقابل صديقًا لتتناول طعام الغداء معه، بحلول الليل تجده ميتًا. لن تعرف أبدًا مَن الذي سيُصيبه السهم بعد ذلك، زوجتك أو أطفالك أو أصدقاءك أو ربما أنت. قد ينبثق تورم كبير ومؤلم جدًّا تحت ذراعك، أو في فخذك، أو في لحظة قد تشعر بأنك بخير، وفي اللحظة التي تليها ستبصق دمًا، ودائمًا ما كان هذا البصق الدموي قاتلًا.

لم يكن الأول، فقد كان هناك أوبئة مرعبة قبله. طاعون أثينا عام 430 قبل الميلاد، والذي أهلك معظم أهلها، وربما كان سببه التيفوس. والطاعون الأنطوني من 165 إلى 180 بعد الميلاد، والذي خلَّف مصائب هائلة في الإمبراطورية الرومانية، في عصر «ماركوس أوريليوس»، وكذلك «طاعون جستنيان» عام 541 ميلادية، والذي قتل ملايين البشر، وانتشر حول البحر الأبيض المتوسط وفرنسا وألمانيا، وربما الجزر البريطانية كذلك.

نما الموت الأسود بسبب تحالف أربعة مسببات: جرثومة ومضيف وإمبراطورية وبرغوث. لولاهم لم يكن للموت الأسود أن يحدث.

خشي الأطباء في العصور الوسطى أن يعالجوا المرضى، فأصبح معظم الموجودين مرضى، ومات كثيرون. تولَّت الراهبات رعاية المُحتضرين، ثم بدأن طريقهن نحو الموت. امتطى الرجال أحصنتهم وَفَرُّوا، حتى ضربهم المرض بعد بضعة أيام. وهكذا انتشر الطاعون كالنار في الهشيم.

على الرغم من أن الأوبئة تحدث مصادفةً، فإنها لا تحدث دون سبب. تبدأ مع واحدة من أخبث جراثيم المرض في شكل قابل للانتقال، وقادرة على التحرك جيدًا خلال الهواء، أو بمساعدة حشرة البرغوث البشري.


يُعرَّف طاعون جستنيان بأنه «الوباء الأول»، تبعه الموت الأسود (الوباء الثاني) بعد ما يقرب من 800 سنة، تحديدًا بين عامي 1346 و1353. وبدأ «الوباء الثالث» في الصين (التاريخ يعيد نفسه، كورونا بدأت في الصين)، وذلك نهاية القرن التاسع عشر، وانتشر في إفريقيا وأمريكا الشمالية والجنوبية، حيث لا يزال يُسبِّب العدوى البشرية بين حين وآخر.

على مدى 30 عامًا، تسبب الوباء الثالث في وفاة نحو 12 مليون شخص في الهند فقط. لكنه كان بطيئًا بشكل إيجابي مقارنة مع سابقيه، باستثناء تفشي حالات عنيفة وقصيرة الأمد للطاعون الرئوي في آسيا الوسطى.

كل أنواع الطاعون مميتة. الطاعون الدبلي غير المُعالَج، الذي ينتقل عن طريق البراغيث عبر الجلد، وهو ملحوظ جدًّا بسبب الانتفاخات الهائلة للغدد اللمفاوية المعروفة بالأدبال، يقتل نحو 60% من المصابين، ويعد النسخة غير القوية للطاعون. أما الطاعون الرئوي، الذي ينتقل عن طريق الهواء من شخصٍ إلى آخر، فيقتل بنسبة 100% تقريبًا.

في وباء عام 1920، ظهرت الحالة الموثَّقة الأولى، وهي امرأة كانت قد أصيبت بالطاعون الدبلي من خلال الجلد، من مرموط (المرموط هو حيوان من فصيلة القوارض)، ثم تطورت حالتها لاحقًا إلى التهاب رئوي ثانوي. على الرغم مما بذله الأطباء من مجهود، فإن السلالة الرئوية أفلتت من المستشفى، وفرَّت مع الجنود على سكة حديدية، وتسببت في وفاة 10 آلاف شخص قبل أن يسيطر عليها الأطباء وعاملو الصحة العامة.

في عام 2004، حلل فريق من باحثين فرنسيين حمضًا نوويًّا قديمًا مأخوذًا من لب أسنان الهياكل العظميّة المدفونة في مقابر ضحايا الموت الأسود، ووجدوا أدلة جينية مُقنِعة على وجود جرثومة «يرسينيا» الطاعونية.. العلاج اكتشف حديثا بداية القرن العشرين بالمضادات الحيوية إذا كان في بدايته وبالنظافة.


قال رسول الله ﷺ في الطاعون «الطاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طائفةٍ من بنى إسرائيلَ، وعَلَى مَن كان قَبْلَكم، فإذا سَمِعْتُم به بأرضٍ، فَلا تَدْخُلوا عليه، وإذا وَقَعَ بأرضٍ وأنْتُم بها، فلا تَخُرُجوا منها فِرَاراً مِنْهُ». اليوم يتم الحجر الصحي على مدن بأكملها بسبب فيروس كورونا وهذا بالضبط ما أوصى به رسول الله ﷺ عند حدوث الأوبئة.